أسرتى

تعليم أم تأديب: كيف نرى مدارسنا وطلابها؟

نحاول الإجابة عن السؤال السابق بمقاربة تاريخية عن طلب العلم، وبالنظر إلى أشكال أخرى له تواجدت وتتواجد حول العالم.

لا يخفى على قارئ المقال السابق أن عملية التعليم بشكلها المنتشر في البلاد العربية اليوم تهدف بالأساس إلى خلق مواطن صالح يطيع الأوامر، ويصدق ما تخبره الدولة إياه من “حقائق” ومبادئ، ولا دليل على السابق أكبر من سيطرة هيئات حكومية مركزية على التعليم في شكل وزارات وما يشبهها، هذه الهيئات تقوم بالأساس بوضع السياسة التعليمية للبلد وإدارة مؤسسات التعليم بها بشكل مستمر، تبدأ العملية بوضع مناهج تعليمية تتسق بالأساس مع رؤى ومصالح البلاد السياسية، يتجلى هذا بوضوح في مواد كالتاريخ والجغرافيا واللغة، تكتب السلطة في هذه المناهج ما يتسق مع مزاعمها ومصالحها السياسية؛ فيصبح بعض الناس مناضلين، والآخرون بلا شك خونة، وتصبح الحقبة الملكية فاسدة والجمهورية عادلة والعكس.

يتضح السابق بشكل كبير في سياسات تعليم اللغة، فنرى أن تعليم اللغة العربية (على فشله الذريع) يأخذ مركز القلب من التعليم في أغلب البلدان العربية، فالعربية في هذا السياق ليست مجرد لغة أدبية؛ وإنما هي مخزون للهوية العربية والقومية التي يتم تلقينها للطلبة، ويتبدى ذلك على سبيل المثال في النصوص الأدبية التي يتم تدريسها للطلبة؛ نصوص تتحدث عن الوطن والفخر به ودفع الأرواح في سبيله ضد الأعداء، لا نصوص عن المشاعر الإنسانية أو التأمل في العالم الذي يعيشه الطالب مما ينمي قدراته اللغوية والشعورية والعقلية.

مخطئ من يظن أن الحديث هنا يهدف إلى عدم تدريس العربية أو الإنقاص من الانتماء الوطني للأطفال أو ما شابه، وإنما الحديث هنا يهدف بالأساس إلى التساؤل عما يهدف هذا التعليم بالأساس إلى غرسه في نفس الطفل، وفهمه لطبيعة عقول وأرواح الأطفال الوثابة في سنين التعليم.

يتناقل البعض قولًا من التراث يقول إن “العلم رحم بين أهله”، أي أن عملية طلب العلم ونقله كفيلة بخلق رباط وثيق يماثل رباط القرابة والرحم بين أهل العلم وطلابه، ويدعو هذا المثال سامعه لأن يتساءل عن وجود هذا الرباط في الدوائر التي تتناقل العلم في أيامنا هذه، سنتغاضي عن الإجابة عن سؤال إن كان هذا علم من الأساس هنا؛ ولكننا سنتساءل عن طبيعة صلة الطالب بأستاذه والطلبة ببعضهم البعض.

يمكننا الحديث هنا عن طبيعة التعليم الطبقية في أغلب المدارس العربية، والتي تقوم على فصل حاد بين الأستاذ والتلميذ في سياق يحفظ المقام ولا يشجع العلاقة الشخصية، كما يقوم في نفس الوقت بالفصل الطبقي بين التلاميذ وبعضهم البعض بناءً على قدراتهم المادية وطبقاتهم الاجتماعية.

بهذا الشكل تتحول عملية التعليم إلى حالة من التعاقدية الصلبة التي يقدم فيها الأستاذ للتلميذ سلعة هي العلم بمقابل مادي ما، تنتهي علاقة الطالب بالأستاذ هنا بمجرد خروج كلاهما من المدرسة على الأغلب.

عند النظر إلى أشكال سابقة من التعليم نجد مجموعة من الخصائص يفتقدها النموذج القومي الحالي، ويمكن أخذ تعليم الكتاتيب للأطفال أو نماذج شيوخ الأعمدة على طول مساجد مصر قبل تأميمها، في مثل هذه السياقات يرتبط الطالب بمعلمه وشيخه ارتباطًا يختلف تمامًا عن ارتباط المدرسة، غالبًا ما يرتبط الطالب باسم شيخه الذي أجازه على امتداد العمر، ويمكن ملاحظة المزيد من الدلالة في الطريقة التي يتحلق بها التلاميذ حول أستاذ غالبًا ما يجلس في مستواهم أو أعلى منهم قليلًا، والعلو في هذا السياق يأتي كعلامة على الارتفاع بالعلم، وغالبًا ما يحق للتلميذ أن يجلس نفس الجلسة لاحقًا بمجرد إجازته في هذا الجزء من العلم، وغالبًا ما يأتي دفع التلميذ للأستاذ في هذه الحالة وفقًا لقدرة التلميذ المادية؛ وكإشارة رمزية لقيمة العلم التي لا يحصل عليها الطالب من دون قدر من المشقة، هذا بالطبع إن لم يكن تمويل الدرس يأتي من وقف أوقفه بعض الناس لله والعلم.

كما أن انتشار الحلقات حول أعمدة المساجد أو في الكتاتيب الصغيرة ذو دلالة أخرى على عدم مركزية هذا العلم وانتشاره، وتغلغله في المساحات العامة والخاصة، يصعب أن تسيطر هيئة مركزية على ما يتم تدريسه في مثل هذه السياقات، وأن تملي رؤاها على أهل هذا العلم.

في مكان آخر من العالم وزمن آخر؛ عملت طبيبة إيطالية تسمى ماريا مونتيسوري في بداية القرن العشرين على وضع مجموعة من الأسس لتعليم الأطفال حتى سن الثانية عشرة، حرية حركة الطالب في الفصل الدراسي، وجمع طلبة من أعمار مختلفة في ذات الفصل لخلق بيئة تحث على الاستكشاف وتكسر النمطية، يسمح للطفل أن يستكشف المواد من حوله واستخداماتها المختلفة بنفسه؛ محاولة لكسر تعليب التعليم وتوزيع نفس الباقات على طلبة قد تختلف عقلياتهم وطريقة تعاطيهم مع العالم من حولهم.

تنتشر مبادئ تعليم المونتيسوري يومًا بعد يوم حول العالم وفي البلاد العربية، إلا أن التعليم الحكومي والقومي يبقى هو النموذج الغالب والذي لا ينازع انتشاره شيء.

أين تكمن المشكلة؟ يصح هذا التساؤل بعد هذه النظرة السريعة للغاية والمختذلة على نماذج أخرى.

تكمن المشكلة في عدة مستويات على الأغلب، تكمن المشكلة على مستوى المفاهيم، أي مفهوم العملية التعليمية بالأساس، هل هي تناقل للعلم النافع وتطوير له؟ أم هي عملية تأديب وتهذيب لخلق مواطن “صالح” يهادن الدولة والمؤسسات؟

تكمن المشكلة في فهمنا لما ينوط بطالب العلم فعله من الأساس؛ هل هو مجرد يد عاملة وصوت انتخابي؟ أم هو فرد فاعل في مجتمع يتم تنمية قدراته العلمية والعقلية ليشارك في النهوض به ومعرفة المشاكل فيه؟

تكمن المشكلة أيضًا في فهمنا لأداء المؤسسات التعليمية في عصر العولمة وحركة المعلومات السريعة عبر الشبكات، هل يمكن لتداول العلم أن يبقى محصورًا على مناهج مسيسة تأكد على مواضيع وتتجاهل مواضيع أخرى لأهداف سياسية؟

ينسحب الحديث هنا لتساؤلات عن موقع العلم من مجتمعاتنا العربية المعاصرة، فعلى الرغم من محورية العلم في خطابات التحديث والتقدم المنتشرة في البلدان العربية؛ إلا أن موقف حكومات ومجتمعات هذه البلدان من العلم بشقيه الاجتماعي والطبيعي يبقى غامضًا إلى حد ما، هذا إذا لم نقر وجود قدر من العداء الذي تكنه هذه البنى لمحاولات النقد والتحديث العلمي من قِبل بعض الأفراد؛ على التناقض مع مزاعم الرغبة في التقدم والتطور التي تتشدق بها هذه البنى، كما لم يتم مواجهة أسئلة علاقة العلم الحديث بالتراث والتقاليد في هذه البلاد بشكل منهجي وجاد.

إلا أن الحديث في هذا الموضوع يتطلب مجالًا مخصصًا ومساحة أكبر لا تتوافر في هذا السياق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق